القائمة الرئيسية

الصفحات

إمام المسجد الحرام: إن توجيهات رسولنا الكريم الرصينة تضمين لقواعد متينة وقيم عظيمة في جميع جوانب الحياة

 


أم المسلمين اليوم لصلاة الجمعة في المسجد الحرام إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل غزاوي فتحدث في خطبته الأولى عن التوجيهات النبوية فقال: إن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم الرصينة تضمين لقواعد متينة وقيم عظيمة في جميع جوانب الحياة، يتبين للمسلم من خلالها المنهج الصحيح؛ ليكون وفق ما أراد الله ولا يحيد عن هداه، وبها تقوم التصورات وتصوب الاجتهادات وتحل المشكلات.

إن الحقوق في الإسلام مصانة، والمؤمن الحق من يعطي كل ذي حق حقه، من أجل استقرار حياته وتحقيق التوازن المطلوب، فلا يطغى جانب على جانب؛ فلما زار سلمان الفارسي أبا الدرداء رضي الله عنهما نصح له وأرشده بكلمات نافعة في مسيرة حياته فقال: إن لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فاعط كل ذي حق حقه، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم صحة ما وجه به سلمان فقال: ( صدق سلمان ) فأقره وصدقه في كل ذلك؛ إذ هو توجيه سديد يدعو إلى التوفيق بين الحقوق والواجبات. وكم حصل من التقصير والتفريط بسبب مخالفة هذا المبدأ المهم العظيم وعدم العمل بهذا التوجيه النبوي الكريم.

وتحدث فضيلته عن حث الشارع على صلة الرحم فقال: لقد حث الشارع على صلة الرحم، وبين ما فيها من عظيم الأجر، ورغب في كل وسيلة مشروعة للإحسان إلى الأقربين، فلما أعتقت ميمونة زوج النبي وليدة لها، وأشعرت النبي بعد ذلك، نصح لها ودلها على ما هو أفضل لها وأقرب نفعا فقال صلى الله عليه وسلم: (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) يعني: كان أكثر ثوابا لك من إعتاقها؛ لحاجتهم إلى من يخدمهم.

وفي هذا توجيه إلى مساعدة ذوي القربى وبرهم وإيصال ما أمكن إليهم من الخير، وأن يحرص المسلم على ما يعود عليه من الأعمال بأكثر نفع وأعظم أجر.

كما جاء الإسلام ليقضي على كل سنن الجاهلية، وكل دعوى باطلة لها، ومن هذه الدعاوى: العصبية القبلية التي بين الشرع تحريمها وذمها أشد الذم قال تعالى :{إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ } وجعل التقوى هي ميزان التفاضل فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ} ولما كان الصحابة رضي الله عنهم في غزاة كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فعابه مستهجنا له وقال: ( ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم، فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، فقال صلى الله عليه وسلم: دعوها، فإنها خبيثة) .

وتحدث فضيلته عن حماية أعراض الناس واتقاء الشبهات فقال : الدين الإسلامي دعا إلى حماية أعراض الناس وصيانتها، وحرم الاعتداء عليها بما يتوافق مع فطرة الغيرة على العرض، ومن أجل ذلك أحاط الأسرة بسياج حصين يمنع وقوع الرذائل ويكون وقاية من الافتتان كما حذر من الوسائل المؤدية إلى ذلك ، وأعظمها الخلوة بالأجنبية قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) ومن الناس من يتساهل في دخول بعض القرابة غير المحارم على النساء مع تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله: (إياكم والدخول على النساء!)، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال (الحمو الموت)، والحمو قرابة الزوج كأخ الزوج وعمه وخاله وغيرهم، وخص (الحمو) لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي.

اتقاء الشبهات والتورع عن الحرام مطلب لقوله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) فلما تزوج عقبة بن حارثة أتته امرأة فأخبرته بأنها أرضعته والفتاة التي تزوج بها فأنكر ذلك ثم سأل أهل الفتاة عن صحة وقوع هذا الرضاع فنفوا علمهم بذلك، فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه في المسألة كان لا بد من جواب حازم حاسم وعندئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟! ففارق عقبة التي نكحها ونكحت زوجا غيره.

والشاهد في القصة قوله صلى الله عليه وسلم: وكيف وقد قيل؟!» أي: كيف تبقيها عندك تباشرها وتعاشرها وقد قيل: إنك أخوها من الرضاعة؟! اتقاء للشبهات أو لفساد النكاح.

وهذا توجيه عظيم لما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الابتعاد عن مواطن التباس الحلال بالحرام واجتناب ما لم يتيقن حله، وحمل نفسه على الاحتياط في دينه.

وهذا ما نتعلمه هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أقل الأشياء؛ فعندما رأى عليه الصلاة والسلام تمرة ملقاة على الأرض ولكونه لا تحل له الصدقة تنزه عن الشبهة قائلا " لولا أني أخاف أن تكون صدقة لأكلتها".

وتحدث فضيلته عن الشفقة على المنصوح فقال : من بواعث النصيحة الشفقة على المنصوح وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يألوا جهدا في نصح أصحابه وتوجيههم؛ فلما رأى صلى الله عليه وسلم في يد رجل خاتماً من ذهب نزعة وطرحة، ولكيلا يقع أحد في هذه المخالفة التي يعود أثرها بالضرر عليه؛ فقد استدعى التحذير مما تؤول إليه فقال صلى الله عليه وسلم : ( يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده، فقيل للرجل بعد ما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخذه أبداً وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ومن فوائد الحديث أنه ينبغي على المرء قبول نصيحة الناصح متى أرشده إلى خطئه ففي ذلك مصلحته ونجاته والحذر أن تأخذه العزة بالإثم فيرد الحق ويستنكف عن قبوله؛ كما ينبغي له أن يفرح بهذا الذي أسدى إليه النصيحة ويسر به، ويشكر له تذكيره، لا أن يبغضه ويغضب عليه ويرى أنه قد تدخل في شؤونه الشخصية أو فيما لا يعنيه.

واختتم فضيلته خطبته الأولى بالحديث عن أبواب الخير والحياء فقال: إن أبواب الخير كثيرة وقد لا يجد المرء ما يتصدق به وينفق منه في وجوه الخير لكنه يستطيع أن يكسب من الحسنات ويحصل من الأجور بعمل لا يكلفه ولا يشق عليه فعندما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ماتت دابته وانقطع به السبيل طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمله فقال: ما عندي، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أدله على من يحمله، فكان عمله هذا مما يحمد له ويثنى به عليه وعندئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) ففي هذا بيان فضل من دل على خير، وفضل من أعان على فعل الخير، وفضل تعليم الخير خاصة لمن يعمل به.

الحياء شعبة من شعب الإيمان وخلق محمود يتجمل به المرء؛ لأنه يمنعه من الوقوع في الآثام ويدعو إلى معالي الأخلاق فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء وأن حياءه أضر به ما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: دعه فإن الحياء من الإيمان.

وتحدث فضيلته في خطبته الثانية عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من الأمور التي ينبغي ألا تغيب عن الأذهان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن فصار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له وخلقا متأدبا بآدابه متخلقا بأخلاقه مهتديا بهديه متحليا بكل ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه، ومجتنبا كل ما استهجنه ونهى عنه، فكان التأسي به صلى الله عليه وسلم والعمل بتوجيهاته كفيل بصبغ حياة المسلم بصبغة دين الإسلام الذي شرعه الله وارتضاه، وبما يحقق للمرء السعادة في دنياه وأخراه.

واختتم فضيلته خطبته الثانية بالحديث عن مجاهدة النفس وازدراء الدنيا فقال: يحرص المسلم على مجاهدة نفسه في استباق الخيرات والمواظبة على النوافل والطاعات، ولا يبادر إلى التماس الأعذار في ترك المحاسن والفضائل وكسب الحسنات، بل يستعين بالله ويحاول التغلب على نفسه ما أمكن ولا يتعلل بما ليس بحجة؛ فلما طرق النبي صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة ابنته ليلة، وسألهما: ألا تصليان؟ قال علي رضي الله عنه: "يا رسول الله، أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا"، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يرتض إجابته وانصرف صلى الله عليه وسلم وهو يضرب فخذه قائلا ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ).

هذا ولم يقف الأمر عند حثه صلى الله عليه وسلم على اغتنام الفضائل بالقول فحسب، بل ضرب لنا أروع الأمثلة العملية في المسارعة إلى فعل الخيرات؛ فقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، ولما سألته عائشة رضي الله عنها: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا) ولما سأله أسامة بن زيد رضي الله عنه فقال يا رسول الله! لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان؟! قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفغ فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) .

علينا أن نستشعر حقارة الدنيا وزوالها { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} أي: هي متاع فان غار لمن ركن إليه فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها.

ولما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثر الحصير في جنب النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله! فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن ذكره بحقيقة متاع الدنيا القليل الفاني الذي لا يقارن بنعيم الآخرة التام الباقي، وعندئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة".
 

تعليقات